الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

288

نفحات القرآن

أجل إنّهم كانوا يعتقدون بأنّهم أرقى الأمم وأنّ الجنّة خصصت لهم ولم يعبهوا بغيرهم حتى لو كانوا مؤمنين . فأجابهم القرآن اولًا فقال : « تِلكَ أَمَانِيُّهُمْ » أي آمال بعيدة عن الواقع ولن تتحقق أبداً . ثم وجّه الخطاب إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله فقال : « قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ انْ كُنْتُمْ صَادِقينَ » . ( البقرة / 111 ) أي أعطونى دليلًا عقلياً يدعم هذا التخصيص وبأي دليل خصص اللطف الإلهي بكم وحرم الآخرين منه ؟ فهل من الممكن أساساً أن يتسق هذا التمييز مع العدالة الإلهيّة وأن يحرم المؤمنون المحسنون كما تزعمون ؟ إن كانوا يدّعون بأنّ دينهم لن يمسخ إلى الأبد فلماذا حكموا على الأمم السابقة التي كانت تتبع أنبياء السلف ويعملون بتكاليفهم بهذا الحكم ؟ إنّ كل هذا يدل على أنّ هؤلاء في تخصيصهم الجنّة بهم لم يتبعوا إلّاأوهامهم النابعة من أنانيتهم . والجدير بالذكر إنّ « أماني » جمع « أمنية » وهي بمعنى الأمل ( وقد صرح عدد من المفسرين بأنّ الأماني بمعنى الآمال التي يستحيل تحققها ) . بناءً على هذا ف « أماني » بمعنى الآمال وتحمل معنى الجمع ، بينما لا يشكل تخصص الجنّة إلّا « أمل واحد » . وللإجابة على ذلك قال بعض المفسرين : إنّ الأمل الواحد هذا تتبعه آمال أخرى أيضاً وهي الخلاص من العذاب الإلهي وخوف المحشر وعُسر الحساب ومسائل أخرى من هذا القبيل . وقال آخرون : إنّ الأمل كلما كبُر يصبح بحكم « الآمال » ، وهذا تعبير لطيف يشير إلى مدى بعد هؤلاء عن الواقع ! . وهناك احتمال آخر أيضاً وهو إنّ السبب في عدّها آمالًا هو وجود هذا الأمل في قلب كل واحد منهم ، أو أن يكون الواحد منهم تمنى ذلك كثيراً ، لذا جيء بصيغة الجمع للدلالة على أنّ هذا التوهم لا ينحصر بفرد معيّن منهم أو بمرحلة معينة ، بل هو أمرٌ له طابع العموم والدوام .